الكاتب: AfrasAdmin

  • عن الرجال والبنادق

    #

    أتعرف كيف يومض البرق في ليلة ممطرة فيضيء أجزاءً مختلفةً من المشهد؟

    تباعًا، هذه ومضة تبدي شجرة كانت مستترة بثوب الليل، هذه أخرى تكشف بيتًا كان مختبئًا في حياء، وهذه -لثانية فقط- تضيء لك جزءًا من طريق كان مستترًا عنك.

    كذا فعل غسَّان، لوهلة تخيلته حاملًا كشَّافًا كهربائيًّا، يضغط على زر الإضاءة ويسمح لك بالرؤية، لثوانٍ فقط، يطفئه فيعود الظلام فاصلًا بين المشهدين، يضغط الزر السحري من جديد فترى.

    وَمضة، هذه يا سيدي حياة المخيم، هنا حيث كلُّ شيء، كل الألعاب، الألوان، الحلوى، كل الأشياء البرَّاقة لا تثير اهتمام ابن السادسة إذا قُورِنَتْ بغرفة دافئة ووعاء من عدس، ظلام..

    هنا يا سيدي رجال صاحبوا البنادق، يحبُّ أحدهم بندقيته، يصلحها، يدللها، يسمِّيها، يخاطر بضرب جندي إنجليزي لعين فداءً لها، يدفع نصف محصول الزيتون كراءً لها، يحتضنها ويموت، يموتان معًا ولا يُفلت أصابعه القوية عنها.

    هذا يا سيدي زمن الاشتباك، حيث الفضيلة كل الفضيلة أن تعيش، هنا تتصارع الأسرة الكبيرة من الجدِّ للحفيد على خَمس ليرات حقيرة ملتقطة من تحت حذاء شرطي في شارع موحل، هذه الليرات الخمس مقدسة هنا، مقدسة لدرجة أنك لا تنفقها أبدًا، تحتفظ بها هناك في جيبك العلوي إلى جانب القلب كحجاب أو تميمة ما، تميمة الأمان من الفقر، الأمان من الجوع، الأمان من زمن الاشتباك ولو لفترةٍ قصيرة.

    هذه يا سيدي أمُّ سعد، امرأة تحمل، تلِد، تحب، تخاف، تَهِن، تشتاق، شأنها شأن باقي نساء العالَم، لكنها تُرْسِلُ وَلِيدَها للحرب.

    تغلق غلاف الرواية وأنت تتذَوَّقُ في فمك -رفقة المذاق المالح لدموعك- طعم المخيم، مذاق الاشتباك، تشم رائحة الحرب، ترى على الضوء الخافت لومضات غسَّان بداية الطريق الذي ساروا عليه، والذي ستسلكُه أنتَ أيضًا.

    من المجموعة القصصية:

    «بعد مليون سنة جاء دوري فناولتني الممرضة النظيفة علبة حمراء مربعة، عدوت إلى البيت دون أن أفتحها، الآن بعد تسع عشرة سنة لست أذكر على الإطلاق ما كان يوجد في تلك العلبة الحلم إلا شيئًا واحدًا: علبة حساء من مسحوق العدس.

    تمسكت بعلبة الحساء بكلتا يدي المحمرتين من البرد وضممتها إلى صدري أمام عشرة أطفال هم إخوتي وبعض أقاربي، أخذوا ينظرون إليها بعشرين عينًا مفتوحة على اتساعها، وكان في العلبة بلا ريب لعب أطفال رائعة، ولكنها لم تكن لتُؤْكَل، وقد أُهْمِلَت، ثم ضاعت، وظلت علبة الحساء معي أسبوعا!»

    «ما الذي أتى بك من مجد الكروم؟ قلَّة رجال في صفد؟ لقد جاءه السؤال فجأة دون أن يرفع الأستاذ معروف رأسه، وقرر ألا يجيب، فهو نفسه في حقيقة الأمر لا يعرف الجواب، ومن جديد التجأ إلى عالمه المرتب بهدوء في رأسه، وقرر مرة أخرى أن مثل هذا السؤال لا يُجَاب عليه، فأنت لا تستطيع أن تسأل مقاتلًا: لماذا تقاتل، كأنك تسأل رجلًا: لماذا أنت ذكر».

    «نظر منصور إلى والده مطويًّا تحت جذع الشجرة، ينزف الدم من بين أصابع كفِّه الموحلة وهي تضغط على أحشائه، كانت عيناه مغمضتين وبدت كفُّه المطبقة على البندقية كفًّا ميتة متخشبة، وفي ذلك الخلاء المبتلِّ كان منصور يقف عاجزًا وهو يرى أن أباه يموت رويدًا رويدًا دون حركة واحدة، إلّا ذلك النبض العميق الذي كان يرجفه فتبدو عروقه كأسلاك مشدودة تخرج من كفِّه وتتوزَّع في بدن البندقية أيضًا.

    وأخيرًا انتفضوا جميعًا معًا؛ الشجرة والرجل والمرتينة، غبش المطر الغاضب، ودموعه، خُيِّلَ لمنصور أنهم ليسوا -معًا- سوى جثة هامدة».

    ❁ ❁ ❁

  • مراجعة كتاب «عن الرجال والبنادق»

    #

    أتعرف كيف يومض البرق في ليلة ممطرة فيضيء أجزاءً مختلفةً من المشهد؟

    تباعًا، هذه ومضة تبدي شجرة كانت مستترة بثوب الليل، هذه أخرى تكشف بيتًا كان مختبئًا في حياء، وهذه -لثانية فقط- تضيء لك جزءًا من طريق كان مستترًا عنك.

    كذا فعل غسَّان، لوهلة تخيلته حاملًا كشَّافًا كهربائيًّا، يضغط على زر الإضاءة ويسمح لك بالرؤية، لثوانٍ فقط، يطفئه فيعود الظلام فاصلًا بين المشهدين، يضغط الزر السحري من جديد فترى.

    وَمضة، هذه يا سيدي حياة المخيم، هنا حيث كلُّ شيء، كل الألعاب، الألوان، الحلوى، كل الأشياء البرَّاقة لا تثير اهتمام ابن السادسة إذا قُورِنَتْ بغرفة دافئة ووعاء من عدس، ظلام..

    هنا يا سيدي رجال صاحبوا البنادق، يحبُّ أحدهم بندقيته، يصلحها، يدللها، يسمِّيها، يخاطر بضرب جندي إنجليزي لعين فداءً لها، يدفع نصف محصول الزيتون كراءً لها، يحتضنها ويموت، يموتان معًا ولا يُفلت أصابعه القوية عنها.

    هذا يا سيدي زمن الاشتباك، حيث الفضيلة كل الفضيلة أن تعيش، هنا تتصارع الأسرة الكبيرة من الجدِّ للحفيد على خَمس ليرات حقيرة ملتقطة من تحت حذاء شرطي في شارع موحل، هذه الليرات الخمس مقدسة هنا، مقدسة لدرجة أنك لا تنفقها أبدًا، تحتفظ بها هناك في جيبك العلوي إلى جانب القلب كحجاب أو تميمة ما، تميمة الأمان من الفقر، الأمان من الجوع، الأمان من زمن الاشتباك ولو لفترةٍ قصيرة.

    هذه يا سيدي أمُّ سعد، امرأة تحمل، تلِد، تحب، تخاف، تَهِن، تشتاق، شأنها شأن باقي نساء العالَم، لكنها تُرْسِلُ وَلِيدَها للحرب.

    تغلق غلاف الرواية وأنت تتذَوَّقُ في فمك -رفقة المذاق المالح لدموعك- طعم المخيم، مذاق الاشتباك، تشم رائحة الحرب، ترى على الضوء الخافت لومضات غسَّان بداية الطريق الذي ساروا عليه، والذي ستسلكُه أنتَ أيضًا.

    من المجموعة القصصية:

    «بعد مليون سنة جاء دوري فناولتني الممرضة النظيفة علبة حمراء مربعة، عدوت إلى البيت دون أن أفتحها، الآن بعد تسع عشرة سنة لست أذكر على الإطلاق ما كان يوجد في تلك العلبة الحلم إلا شيئًا واحدًا: علبة حساء من مسحوق العدس.

    تمسكت بعلبة الحساء بكلتا يدي المحمرتين من البرد وضممتها إلى صدري أمام عشرة أطفال هم إخوتي وبعض أقاربي، أخذوا ينظرون إليها بعشرين عينًا مفتوحة على اتساعها، وكان في العلبة بلا ريب لعب أطفال رائعة، ولكنها لم تكن لتُؤْكَل، وقد أُهْمِلَت، ثم ضاعت، وظلت علبة الحساء معي أسبوعا!»

    «ما الذي أتى بك من مجد الكروم؟ قلَّة رجال في صفد؟ لقد جاءه السؤال فجأة دون أن يرفع الأستاذ معروف رأسه، وقرر ألا يجيب، فهو نفسه في حقيقة الأمر لا يعرف الجواب، ومن جديد التجأ إلى عالمه المرتب بهدوء في رأسه، وقرر مرة أخرى أن مثل هذا السؤال لا يُجَاب عليه، فأنت لا تستطيع أن تسأل مقاتلًا: لماذا تقاتل، كأنك تسأل رجلًا: لماذا أنت ذكر».

    «نظر منصور إلى والده مطويًّا تحت جذع الشجرة، ينزف الدم من بين أصابع كفِّه الموحلة وهي تضغط على أحشائه، كانت عيناه مغمضتين وبدت كفُّه المطبقة على البندقية كفًّا ميتة متخشبة، وفي ذلك الخلاء المبتلِّ كان منصور يقف عاجزًا وهو يرى أن أباه يموت رويدًا رويدًا دون حركة واحدة، إلّا ذلك النبض العميق الذي كان يرجفه فتبدو عروقه كأسلاك مشدودة تخرج من كفِّه وتتوزَّع في بدن البندقية أيضًا.

    وأخيرًا انتفضوا جميعًا معًا؛ الشجرة والرجل والمرتينة، غبش المطر الغاضب، ودموعه، خُيِّلَ لمنصور أنهم ليسوا -معًا- سوى جثة هامدة».

    ❁ ❁ ❁

  • مراجعة كتاب «عن الرجال والبنادق»

    ليس أنسب عند حديثنا عن المقاومة أن يتقدم أحدٌ غسان كنفاني!

    المجموعة القصصية عن الرجال والبنادق لـ غسان كنفاني.

    إعداد: مريم عبد الرحيم عضو فريق جناح.

    أتعرف كيف يومض البرق في ليلة ممطرة فيضيء أجزاءً مختلفةً من المشهد؟

    تباعًا، هذه ومضة تبدي شجرة كانت مستترة بثوب الليل، هذه أخرى تكشف بيتًا كان مختبئًا في حياء، وهذه -لثانية فقط- تضيء لك جزءًا من طريق كان مستترًا عنك.

    كذا فعل غسَّان، لوهلة تخيلته حاملًا كشَّافًا كهربائيًّا، يضغط على زر الإضاءة ويسمح لك بالرؤية، لثوانٍ فقط، يطفئه فيعود الظلام فاصلًا بين المشهدين، يضغط الزر السحري من جديد فترى.

    وَمضة، هذه يا سيدي حياة المخيم، هنا حيث كلُّ شيء، كل الألعاب، الألوان، الحلوى، كل الأشياء البرَّاقة لا تثير اهتمام ابن السادسة إذا قُورِنَتْ بغرفة دافئة ووعاء من عدس، ظلام..

    هنا يا سيدي رجال صاحبوا البنادق، يحبُّ أحدهم بندقيته، يصلحها، يدللها، يسمِّيها، يخاطر بضرب جندي إنجليزي لعين فداءً لها، يدفع نصف محصول الزيتون كراءً لها، يحتضنها ويموت، يموتان معًا ولا يُفلت أصابعه القوية عنها.

    هذا يا سيدي زمن الاشتباك، حيث الفضيلة كل الفضيلة أن تعيش، هنا تتصارع الأسرة الكبيرة من الجدِّ للحفيد على خَمس ليرات حقيرة ملتقطة من تحت حذاء شرطي في شارع موحل، هذه الليرات الخمس مقدسة هنا، مقدسة لدرجة أنك لا تنفقها أبدًا، تحتفظ بها هناك في جيبك العلوي إلى جانب القلب كحجاب أو تميمة ما، تميمة الأمان من الفقر، الأمان من الجوع، الأمان من زمن الاشتباك ولو لفترةٍ قصيرة.

    هذه يا سيدي أمُّ سعد، امرأة تحمل، تلِد، تحب، تخاف، تَهِن، تشتاق، شأنها شأن باقي نساء العالَم، لكنها تُرْسِلُ وَلِيدَها للحرب.

    تغلق غلاف الرواية وأنت تتذَوَّقُ في فمك -رفقة المذاق المالح لدموعك- طعم المخيم، مذاق الاشتباك، تشم رائحة الحرب، ترى على الضوء الخافت لومضات غسَّان بداية الطريق الذي ساروا عليه، والذي ستسلكُه أنتَ أيضًا.

    من المجموعة القصصية:

    «بعد مليون سنة جاء دوري فناولتني الممرضة النظيفة علبة حمراء مربعة، عدوت إلى البيت دون أن أفتحها، الآن بعد تسع عشرة سنة لست أذكر على الإطلاق ما كان يوجد في تلك العلبة الحلم إلا شيئًا واحدًا: علبة حساء من مسحوق العدس.

    تمسكت بعلبة الحساء بكلتا يدي المحمرتين من البرد وضممتها إلى صدري أمام عشرة أطفال هم إخوتي وبعض أقاربي، أخذوا ينظرون إليها بعشرين عينًا مفتوحة على اتساعها، وكان في العلبة بلا ريب لعب أطفال رائعة، ولكنها لم تكن لتُؤْكَل، وقد أُهْمِلَت، ثم ضاعت، وظلت علبة الحساء معي أسبوعا!»

    «ما الذي أتى بك من مجد الكروم؟ قلَّة رجال في صفد؟ لقد جاءه السؤال فجأة دون أن يرفع الأستاذ معروف رأسه، وقرر ألا يجيب، فهو نفسه في حقيقة الأمر لا يعرف الجواب، ومن جديد التجأ إلى عالمه المرتب بهدوء في رأسه، وقرر مرة أخرى أن مثل هذا السؤال لا يُجَاب عليه، فأنت لا تستطيع أن تسأل مقاتلًا: لماذا تقاتل، كأنك تسأل رجلًا: لماذا أنت ذكر».

    «نظر منصور إلى والده مطويًّا تحت جذع الشجرة، ينزف الدم من بين أصابع كفِّه الموحلة وهي تضغط على أحشائه، كانت عيناه مغمضتين وبدت كفُّه المطبقة على البندقية كفًّا ميتة متخشبة، وفي ذلك الخلاء المبتلِّ كان منصور يقف عاجزًا وهو يرى أن أباه يموت رويدًا رويدًا دون حركة واحدة، إلّا ذلك النبض العميق الذي كان يرجفه فتبدو عروقه كأسلاك مشدودة تخرج من كفِّه وتتوزَّع في بدن البندقية أيضًا.

    وأخيرًا انتفضوا جميعًا معًا؛ الشجرة والرجل والمرتينة، غبش المطر الغاضب، ودموعه، خُيِّلَ لمنصور أنهم ليسوا -معًا- سوى جثة هامدة».

    ❁ ❁ ❁