مراجعة كتاب: أمير الظل.. مهندس على الطريق

|

7–10 دقائق

عبد الله غالب عبد الله البرغوثي، ولد في الكويت عام 1972 م، مهندس وقائد كتائب عز الدين القسام سابقاً في الضفة الغربية، أسير في السجون الإسرائيلية، يقضي حاليا حكماً من أطول الأحكام في التاريخ بالسجن المؤبد 67 مرة، إضافة إلى خمسة آلاف ومائتي (5200) عام، وذلك لاشتراكه في مقتل 67 إسرائيلياً في سلسلة عمليات نُفِّذَت بين العامين 2000 و2003 م، يعتبر خليفة يحيى عياش في إدارة العمليات التفجيرية، تنحدر أصوله من بلدة بيت ريما في فلسطين.

بدأ أمير الظل الأسير عبد الله البرغوثي قصته بالرد على تساؤلات ابنته «تالا» وما يدور في ذهنها حول ذلك السؤال الذي تردد كثيرًا: «من أنت، ولماذا أنت؟»، وقد شَهِدَت لحظة اعتقاله عام 2003، وتسأل عن الأب الذي تركها في السيارة لحظة اعتقاله ولم ترَه بعد ذلك.

تروي القصة سيرة الصمود أمام السُّجَّان، وأمام السنوات العشر من الحبس الانفرادي، وعن قصة حياته، ومقاومته للاحتلال وكيف قام بانتقاء وتدريب عناصر كتائب القسام على إنتاج الأسلحة والمتفجرات واستخدامها بكفاءة، وخبرته في هذا السياق.

طفولة عبد الله البرغوثي بدأت هناك بعيدًا عن فلسطين وعن التين والزيتون، هناك في الصحراء، فلقد وُلِدَ بالكويت وتعلم فيها وترعرع، ولم يكن يعلم أنه فلسطيني، حتى اندلعت انتفاضة الحجارة في فلسطين، عندما استشهد ابن عمه محمود وعمه إسماعيل، وقتها أقاموا لهما في الكويت عرسًا، يسمي عرس الشهداء.

فسأل وعلم أنه من هناك؛ من فلسطين، من قرية اسمها بيت ريما، وأصبح يردد أنشودة تتحدث عن فلسطين الشهداء بدلًا من الكويت.

وهنا كبر الطفل، وكبرت معه فكرة المقاومة وطرد الاحتلال والقيام بعقاب المحتلين على الجرائم التي قاموا بارتكابها، وكان يشاهد على التلفاز كيف يقوم جنود الاحتلال بتكسير عظام أطفال فلسطين؛ أطفال الحجارة، ولذلك قرر أن يصبح قويا حتى لا يُكْسَر عظمه، فبدأ بتعلم فنون الدفاع عن النفس، ثم بعد ذلك بدأ مرحلة جديدة وهي التدرب على استخدام السلاح في صحراء الكويت حتى يتمكن من مواجهة المحتل.

وفي الثانية عشرة من عمره جمع بين العمل في ورشة للميكانيكا والكهرباء، فكانت هوايته تفكيك الأشياء وإعادة تركيبها مرة أخرى، ومحاولة معرفة طريقة عملها.

وتعلم عبد الله منذ طفولته الأولى الصلاة وأداء العبادات، وكان يذهب إلى المسجد بصحبة والده كل يوم، وأصبحت الصلاة جزءًا لا يتجزأ من أموره اليومية، فمَن يتربَّ على الصلاة يعلمْ أن الحياة مسؤولية لا عبث ولا لهو فيها.

بعد تحرير الكويت، انتقل البرغوثي مع أسرته للعيش في العاصمة الأردنية عَمَّان؛ حيث كان والده يملك هناك منزلًا، وبسبب حالتهم المادية الصعبة وجد نفسه مضطرًّا لمساعدة والده، فرغم أنه ما زال يدرس اتجه للعمل في أحد كراجات المدينة لعله يساهم ولو بالقليل في مصروف البيت مع والده.

درس في مدرسة مهنية بقسم الميكانيك، ولم يدخل الجامعة لقلة ذات اليد وعدم قدرة والده على ذلك.

لم يكمل الثامنة عشرة إلا وقد تراكمت عليه الديون بعد أن افتتح جراجًا لإصلاح السيارات، ثم اضطر لإغلاقه، وحمل على عاتقه دَيْنًا احتاج إلى سدادَه، وعاش تجربة مريرة من العوز المالي وعدم القدرة على مساعدة عائلته.

قرر البرغوثي قبل حلول موعد سداد الدين الهجرة بعيدًا إلى كوريا لعله يحصل على فرصة أفضل، ولعله يُحَسِّن ظروف معيشتِهِ ويوفي بوعده الذي قطعه على نفسه وهو إعادة الدَّيْن في موعده المحدد، وإعالة عائلته.

كانت رحلة المهندس إلى كوريا غريبة، فجيوبه خالية بلا مال؛ ولا تذكرة للعودة؛ ولا جواز سفر، كل ما معه هو عنوان مكتوب على ورقة، وإصرار بالنجاح ورغبة بالتحدي، حتى وصل إلى العنوان الذي لم يكن سوى عنوان مصنع لقص الأشجار في إحدى الغابات.

وبعد عدة أشهر على هذا الحال قرر البرغوثي ترك العمل في قص الأشجار والمنجرة، والتوجه للعمل بمكان يمارس فيه هوايته الميكانيك، فعمل بمصنع للصناعات البلاستيكية وأصبح عاملًا وميكانيكيًا للآلات.

وخلال مكوثه هناك قام بالتسجيل في أحد معاهد الهندسة ودرس تخصص الإلكترو ميكانيكا؛ في أثناء إقامته حاول اختراق جهاز حاسوب قديم، ومن هنا بدأ في تُعلِّمُ صناعة المتفجرات والعبوات الناسفة من مصادرها الأصلية من المواقع العسكرية الموجودة على شبكة الإنترنت، فتعلم الكثير وحَوَّل تلك المعرفة إلى خبرة عملية وطبَّق ما تعلمه في غابات كوريا.

قرار المقاومة: كان خبر إصابة ابن عمه بلال في فلسطين نقطة تحول في حياته، فكان ذلك هو دافعه الذي حَوَّلَه أول مرة من طفل إلى شاب مصمم على مقاومة الاحتلال، وقرر بعدها أن يقضي بقية حياته في محاربة المحتل الإسرائيلي.  

بعد ذلك سافر إلى فلسطين وجال مع صديق له في الأراضي الفلسطينية التي يحتلها اليهود، ودخل أريحا ورأى فظائع السلطة التي وقَّعت اتفاقية الذلِّ أوسلو، ومن ثَمَّ ذهب إلى القدس وشعر بألم كبير وهو يرى ويشاهد المحتل مغتصبًا أرضه، فكتب قصيدة عبر فيها عن القدس وفلسطين وأنه لن يستسلم وسيقاوم.

وفي المسجد الأقصى شارك في الصلاة على الشهيد يحيى عياش، وسمع أحدهم يقول جملة أصبحت محور حياته القادمة: «الانتقام الانتقام يا كتائب القسام».

عاد البرغوثي إلى الأردن تاجرًا لكن لم ينسَ أنه صاحب حق، فأقدار الله تَسُوقُ الإنسانَ لقدره الذي خُلِقَ لأجله.

وقبل دخوله لفلسطين في زيارته الثانية أدخل كل ما يلزمه من أدوات وأجهزة خاصة المواد المتفجرة التي تساعده على مقاومة المحتل، أدخلها بالحيلة دون أن ينتبه أحد؛ فصاحب الهدف لا يعدم الحيلة. 

وبخبرته السابقة باختراق الحواسيب استطاع اختراق مواقع اتصالات المحتل ومواقع السلطة، مَكَّنَتْهُ تلك الاقتحامات من السيطرة بشكل كامل على المكالمات الواردة والصادرة.

وبعد فترة من عمله في التجارة التي دخل بها كغطاء لما يُخَطِّطُ له، لم يَكْتَفِ المهندس المقاوم بالجلوس خلف أجهزة الحاسوب فقط، وقام بالإعداد لمعركته من ناحية أخرى، وسار يمضي أيام عطلته بجولات في مدن فلسطين المحتلة، ساعده بالتنقل جوازه الأجنبي ولغته الإنجليزية، ليعرف جغرافية الأرض التي يريد أن يستعيدها، وتمر الأيام وتأتي الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، يوم دَنَّسَ شارون رئيس وزراء دولة الاحتلال المسجد الأقصى.

تسوق الأقدارُ للمهندس شيخًا يُحَمِّلُه الأمانة التي خَبَّأَها المهندس يحيى عياش، ليهتدي بها إلى طريق البداية ويسير على درب المهندس عياش، الذي يقول عنه: «أحببت يحيى عياش مثلما أحببت القدس تمامًا، فعياش ذلك المهندس القسامي أعاد لي من خلال الحديث عنه روحَ المقاومة وروح التصدي للظلم والطغيان، ذاك المهندس البطل الذي أتعب دولة الاحتلال».

بدأ مسيرة المقاومة واقترب من نفسه أكثر فأكثر، فعرف مكامن قوته ومكامن ضعفه، فأدرك أن المال والعلم والقوة الجسدية لا تكفي وحدها لبدء المقاومة، ولكن تحتاج إلى رفقة تحمل هَمَّ التحرير كما حمله، فبحث عمن يوصله ليكون جزءًا من الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس ويكون جزءًا من كتائب القسام وأحد رجال الحركة المهمين، بدأ العمل وقد شاركه ابن عمه الطريق رغم أنه سبقه في العمل ضد الاحتلال لكن كانت كل حيلته في المقاومة الحجارة كغيره من شبان فلسطين. 

وبسبب خبرته فقد استطاع تزوير رخص لقيادة السيارات، وزَوَّدَ ابن عمه برخصة ودَرَّبَهُ على القيادة، ليسهل عليهم نقل العبوات وإيصالها إلى المناطق المستهدفة. 

أما هو فقد كان منشغلًا بأمور أخرى، وسار يُكَرِّسُ كل وقته لإعداد البنية التحتية للمقاومة مثل الحصول على الأجهزة اللازمة من أجل عمل بطاقات هوية مزورة، ومثل استئجار عدد من الشقق بمدينة رام الله وغيرها من المدن، وتجهيز كل شقة من تلك الشقق بكل ما يلزم من أجهزة كهربائية وأثاث، وتحويل كل شقة من تلك الشقق إلى مركز قيادة متنقل بشكل كامل.

بدأ أمير الظل اللقاء بالمقاومين في مدن الضفة الغربية لينقل لهم خبرته في العمل الميكانيكي والكهربائي وصناعة المتفجرات وغيرها، وفتحت خبرات البرغوثي في مجال الهندسة الميكانيكية والإلكترونية آفاقًا جديدة للابتكار ولحل المشكلات التي تواجهها كتائب القسام، حتى إن صديقه المهندس أيمن حلاوة قاله: «أستحلفك بالله يا عبد الله هل أنت تنتمي لهذا العالم أم لعالم المستقبل؟ قل لي بربك هل أتيت إلى نابلس عبر آلة الزمن؟»

قصف الصهاينة مقرًّا مخصَّصًا للصحافة والأخبار في مدينة نابلس، ما أدى لاستشهاد عدد من الشهداء، وكان على رأسهم أهم قياديين سياسيين بحركة حماس بمنطقة الضفة الغربية في ذلك الوقت، فكانت أول عملية استشهادية تحت قيادة أمير الظل، كانت العملية في أحد مطاعم الصهاينة في القدس نفذها الاستشهادي «عز الدين المصري»، استطاع فيها بفضل الله قتل 15 صهيونيًا وجرح المئات.

بعد هذه العملية تكفلت السلطة الفلسطينية باعتقال المهندس عبد الله عدة أسابيع، ولم يَدُمْ أسره طويلًا، ويقول المهندس عن هذه التجربة: «فلقد خرجت من تجربة الأسر حرًا، ولكن من نوع آخر، نوع جعلني أصبح منذ ذلك اليوم أميرًا للظل، أميرًا يعيش في الظل رغم أنف من أشعلوا مصابيحهم ليبحثوا عني ويجدوني». 

يقول المهندس عن عقيدة القسام: «زراعة العقيدة أمر صعب جدًّا، لكن اقتلاع تلك العقيدة بعد أن زُرِعَتْ أصعب ألف مرة، بل يكاد يكون مستحيلًا، وعقيدة أبناء القسام زُرِعَتْ بالفطرة الطبيعية التي كانت بوصلتها الإسلام والعزة، فلم أر قساميًّا واحدًا طوال عملي الجهادي لا يُقَدِّمُ نفسه للشهادة ويتقدم للصفوف مثل أولئك القساميين».

فالمعركة اختارته واختارتهم؛ «المعارك تختارنا ولا نختارها»؛ وقد اختارته معركة القدس والأقصى ليصبح مهندس المقاومة، وليقوم بدور مهم في تدريب كوادر القسام الذين اعتبروه شيخهم، وبذلك قاد ثورة العقول ضد الاحتلال.

وتوالت العمليات في كل المدن لا في القدس وحدها، فقام بعملية في نابلس وأخرى في الخليل وغيرها.

تم اعتقال أمير الظل على يد عملاء سلطة أوسلو ليبقى في السجن حتى اليوم ويلقى صنوف العذاب لكن بعزة الحر الذي لا يخضع إلا لله. 

يقول أمير الظل: «كنت أدرك أن مثل هذه اللحظة قد تأتي، فلم يكن أمام من يقاوم الاحتلال سوى الشهادة أو الاعتقال أو النصر، وكنت مستعدًّا للشهادة عبر إخلاص النية لله وحده، فالمقاومة لم تكن لسلطة ولا لجاهٍ؛ بل كانت لله لرب العزة رب فلسطين الذي كتب علينا الجهاد طريقًا لتحرير المقدسات».

وخاض المهندس المقاوم في التحقيق معركة كسر الإرادة، حيث مارس الصهاينة كل الأساليب اللا إنسانية من أجل انتزاع المعلومات منه، فكسروا عظامه حتى وصل جسده إلى حافة الانهيار، وهو عزيز قوي، أخذَ العزة من تلك العقيدة الراسخة بأن الحقوق تُنْتَزَع، وأن المقاومة هي من ستعيد الأرض وتعيد الأقصى.

«أعلم أنني اليوم أعيش في ظلمة العزل الانفرادي منذ سنين طويلة جدًّا حتى أنني لم أعد أحصيها، ولكن قبل دخولي إلى العزل عشت ستة أشهر في زنازين التحقيق شاهدت خلالها الموت، كلمته وكلمني، لمسته في لحظات عديدة، ولكن تغلبت عليه بعون الله القادر القهار، أذكر أنني عشت قبل ذلك أجمل وأروع أيام عمري؛ فقد رفعت رأسي عاليًا ورفعت راية التوحيد والجهاد في زمن الذل والهوان، وغدًا تأتي قطرةُ زيت لتضيء سراج الأقصى وقناديل القدس، غدًا قادم فلا تقنطوا من رحمة الله فهو الرحمن الرحيم، وهو الغالب الجبار القادر عل كل شيء».