رأيت رام الله
(إن الأحلام تصبح أخطر عندما تكون أحلامًا بسيطة)
التعريف بالكاتب:
هو الكاتب الأديب الشاعر مريد البرغوثي، ولد عام 1944م بدير غسانة قرب رام الله، وسافر لمصر عام 1963م لإكمال تعليمه في جامعة القاهرة في قسم اللغة الانجليزية بكلية الآداب، وتخرج عام 1967م وهو نفس العام الذي احتُلَّت فيه الضفة الغربية التي مُنِع من دخولها، فلم يَزُرْها إلا بعد ذلك بثلاثين عامًا.
من أعماله الشعرية: دواوين منطق الكائنات / طال الشتات / فلسطيني في الشمس. ومن أعماله النثرية: رأيت رام الله / ولدتُ هناك ولدتُ هنا.
التعريف بالكتاب:
الكتاب سيرة ذاتية للكاتب وحكاية عودته إلى بلدته المحتلة، والطريق الذي لاقاه في سبيل ذلك في أثناء مسيرة شبابه وصولًا إلى هذه النقطة، ومحاولة لم شمله مع ابنه في موطنه الأصلي؛ ليكون صوت اللاجئين الذين يعيشون الحياة غربةً ممتدة.
“قلت لنفسي: ما استثنائيتها لو لم نكن فقدناها؟”
في لوم باطنيٍّ طويل، يبين البرغوثي كيف أن لنا جميعًا ذنبًا في فقدان الأرض، وهذا ما جعل فلسطين استثناءً: قصة فقدها ومعاناة أهلها. ولكنه أيضًا لم ينسَ ذِكرَ قيمتها التاريخية وثروتها ومكانتها، وذَكرَ أيضًا كيف نُسِهم جميعًا في جعلهم غرباء. وشاركَنا خوف القلة الباقية من أي إصلاحات غربية قادمة، فحدَّث أن جمعيةً إيطاليةً أرادت إقامة حضانةٍ لأهل القرية، ولم يسمح الفلسطينيون بذلك إلا بعد أن تثبَّتُوا من نواياهم الحقيقية وأن هذه الفكرة ليست أكذوبةً أخرى للاستيلاء على أرضهم، مما يدحض الروايات الكاذبة حول أنَّهم هم من باعوا فلسطين. وحدَّثنا كذلك عن أهمية عمل الجمعيات المحلية، وما تُسهم به في توفير العمل وتنمية المواهب؛ لتكون حاجزًا دون محاولات الاحتلال المستمرة لتحويل المدن إلى قرى وطمس ثقافتها.
من أهم أسئلة الفلسطيني: ماذا يفعل اللاجئ؟ هل يعود في هذه الظروف الصعبة أم يستمر لاجئًا؟ وإن عاد، فمثله سيظل محرومًا من أبسط حقوقه، كأنْ يرى القدس إذا لم يكن من أهل مناطق الحكم الذاتي، أو معه تصريح إسرائيلي بذلك.
“غرفة حراسة عاديَّةٍ، الحارس فيها يحرس وطننا منَّا”
إجراءات السفر والعودة التي يسمح بها لصُّ الأرض، ويعود بإتمامها -وبناءً على اتفاقيات السلام الواهية- قليلٌ من الناس، معظمهم من الشيوخ، ويُحرَم الآلاف الباقون هذا الحقَّ.
يتذكر البرغوثي في عودته أبناءَ أرضِه الباقين على الحدود عالقين، وأمواتَ دَمِه المقبورين في ترابٍ آخرَ مبعثرةً عظامُهم على قارات العالم. ولا يلوم العرب فقط، بل أبناء الضفة أيضًا -التي كان أحد سكانها- على معاملة باقي أبناء وطنه النازحين معاملةَ اللاجئين.
كما تذكَّرَ القلةَ منهم الذين استولوا على أراضي إخوتهم ظلمًا وبهتانًا؛ إذ كانت تُباع بينهم على الورق لكي يتمكنوا من الإفلات من استيلاء الاحتلال على أرضهم بحجة أنَّهم غائبون، ليأخذها بعض أبناء جلدتهم ولا يرجعونها إليهم. وقد شدَّد الكاتب على أنَّ ذلك قليل وليس بعام.
(منيف) (بدنا اياكِ تظلِّي عايشة، إوعديني تظلِّي عايشة، إلبسي أسود يمَّه)
ذلك الأخ الذي صنع المأساة الباقية للأبد، ولا يعلم أحد سببَ موته نازفًا غريبًا لاجئًا في بلدٍ أخرى، وقد حضر بظلِّه مع الكاتب في عودته التي لم يستطِعْها هو. ذلك الأخ الذي كان يُصرُّ على ألَّا يُحوِّل أخوه المالَ إلَّا من البنوكِ الرسميةِ لا السوقِ السوداء مرددًا: «إذا بدأتَ حياتك بالالتواء فلن تستقيم أبدًا».
“تميم”
ربما نعرفه الآن بشعره، ولكن في هذا النص نعرفه طفلًا يتعلق بالأشجار في حديقة مَنفَى أبيه، كما تعلق أبوه بتِينَتِه المقطوعة في وطنه. ويكبر ويسير على خطاه، ويُنفَى أيضًا، ويكتب الشعر، ويعود إلى فلسطين محققًا حلمَ أبيه بلَمِّ الشمل، ويُلقي ديوانه هناك كما فعل أبوه من قبل.
“لا أستطيع إقرار كل ما تقرره القبيلة”
في شيء من السخرية، يتحدث مريد عن مشكلاتنا الحالية أنها مثل مشكلات عصره، أي إنَّنا لم نتحرك قيد أنملة منذ سبعين عامًا أو يزيد.
يعاني محاولاتِ استقطابه إلى الأحزاب والجبهات التي تُسهِم في اتساع فجوة الرأي بدلًا من توحيده، لتكون تشتتًا أكبر يشمل كل الأقطار العربية إلى الآن، فما زلنا نتصرف كقبيلة.
“في القاهرة رتَّبَ العالم شأنه بدوني وفي غيبتي الطويلة”
من المؤسف معرفة أن الشاعر مريد البرغوثي نُفِي من مصر خوفًا من اعتراضه على زيارة السادات لإسرائيل، ونتيجة وشايةٍ به لفعلٍ لم يفعله قط؛ ليحيا بعيدًا عن طفله معظم حياته قبل أن يُرفع اسمُه من ترقب الوصول. كما نُقلت زوجته رضوى في مرحلة أخرى من الفترات السياسية من عملها الجامعي إلى وزارة السياحة في قرار السادات بفصلِ أكثر من ستين صحفيًّا، ونقلِ مثلهم من أساتذة الجامعات إلى وظائف أخرى. لم يكن ذلك الخذلان الوحيد، بل وفي الجنازة الشرفيَّة لناجي العلي التي قام بها الأدباء، وواجهها رجال الأمن كما واجهوا الطلبة في اعتصام الجامعات الكبير، وملأوا بهم المعتقلات في السبعينيات.
وليست القاهرة فقط، ففي لبنان كان هناك قرارٌ بمنع الفلسطينيين من العمل في 87 مهنة؛ فقد أخطأ بعض الفلسطينيين في حق لبنان، وها هم أبناء المخيمات يدفعون الثمن، ولكن من يسدد ثمن الخطاة في حق فلسطين؟!
“أوسلو العجيبة”
كيف نجح المحتل في تحويل المقاوم إلى قيادة بسياراتٍ وشُققٍ فارهة، مع غياب سيادتهم الوطنية وتحويلها إلى سيادة على أبناء بلدهم؟ قيادي يحب أهل بيته حقًّا، ولكن لا يحب أحدًا غيرهم. كيف لعبوا في الانتفاضة عن قصد و(لغوصوها من شان الناس تنبسط على توقيفها)؟ ما أشبه الليلة بالبارحة! فقد علمنا التاريخ أن تصوير الفواجع بوصفها انتصارًا أمرٌ ممكن، وعلمنا أيضًا أنَّ ذلك لا يدوم. بالنسبة للبرغوثي كانت أوسلو وأكتوبر هزائم متكررةً من بعد هزيمة 1967م، والسلام الناتج عنهما سلام ضعفٍ وتنازلٍ، كما قال نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال حينئذ بأن العرب «تعودوا التأقلم على ما يفرض عليهم». فحقًّا ما أشبه الليلة بالبارحة!
إيجابيات الكتاب:
من أهم ايجابيات الكتاب: ذِكرُ بعض القضايا المهمة في الحياة الاجتماعية حينئذ، مثل: عدم تعليم البنات في قريته بعد الرابع الابتدائي، فقد مُنعت والدته من إكمال تعليمها خارج القرية لأنها يتيمة. كما ذكرَ محاولة طرد جدته من البيت بعت وفاة زوجها، والسماح لها بالبقاء فقط عند العلم بأن مولودها الثاني ذكر، ومحاولات التقرب والزواج بها ومضايقاتها عند الرفض. كذلك ذكرَ تعلق الأهل بأبنائهم فقط وإهمال نواحي الحياة الأخرى: خوف الأهل على الأبناء لدرجة المبالغة فيُحرَموا أشياءَ بديهيةً كركوب الدراجات … إلخ، فيصبحوا أقل خبرة من ذويهم.
أما من الناحية التاريخية، فقد اهتم الكتاب بالسرد التاريخي للواقع العربي في هذه الحقبة، كما اهتم بإظهار الانقسام الداخلي بعد أوسلو وكيف نجح الاحتلال في جعل قضية الأرض قضيةً ثانوية. اهتم الكاتب أيضًا بإظهار تاريخ الأرض ومعالمها وآثارها بوصفها شاهدًا تاريخيًّا.
ملاحظات عن الكتاب:
قد يؤخذ على الكاتب أمور: مثل طول السرد أو احتوائه على كثير من الأسماء لمشاهير في زمنهم مجهولين لدينا الآن، أو حكمه على الأشياء بمعيار هو: «ليس الصواب والخطأ، ولا الحلال والحرام، بل الجمال والقبح». كما نختلف معه في تسمية إسرائيل في الكتاب؛ فنُطقُ الاسم اعترافٌ بها، وما هي إلا احتلال صهيوني.
وقد نختلف معه في بعض الجمل مثل قوله: «لا أقبل أن يدير اللاهوت في الأعالي الحياة السياسية على هذه الأرض».
في الختام
نسمع سردية الاحتلال التي «بدأها من (ثانيًا)» ليجعل العالم يتعاطف معهم، ذلك في خطاب (رابين) بالبيت الأبيض: «نحن ضحايا الحرب والعنف»؛ ليشعر مريد بالإخفاق والتقصير، فمن السهل طَمسُ الحقيقة بحيلة لغوية بسيطة هي: البدء بـ(ثانيًا).

