إننا نتصور ذهنيًا كيف يُضحي رجال مخلصون لقضيتهم، خاصة إذا مُسَّت هويتهم ومقدساتهم، لكن السواد الأعظم منَّا لا يتصور كيف تكون كواليس ما وراء التضحيات: آلامُ القصة المنتهية بالاستشهاد.
فهذا المجاهد الذي وضع روحه على كفه وبذلها في سبيل الله، آدميٌّ، بشريته كبشريتنا، له أمٌّ وزوجةٌ وأولادٌ يحبُّ ألَّا يفارقهم. لكنَّ تضحيات رجال المقاومة دائما ما تثير العجب، كيف يُصنَع هؤلاء الرِّجال؟ كيف يخطِّطون؟ كيف عاشوا؟ وكيف استشهدوا؟
لذا حاول البطل سليم حجّة تخليد طرفٍ من حكاياتهم، حين دوَّن شهادته في “درب الأشواك”، وقد كان أسيرًا وقت كتابتها.
عن الكاتب:
وُلد سليم حجّة عام 1972م في قرية برقة بنابلس، وتلقى فيها تعليمه حتى الثانوية قبل أن تعيق اعتقالاته المتكررة استكمال دراسته، فحصل داخل السجن على دبلوم تأهيل الدعاة، ثم بكالوريوس التاريخ من جامعة الأقصى.
التحق بحركة حماس وكتائب القسام عام 1989م، وشارك في تشكيل خليةٍ عسكريةٍ خلال انتفاضة الحجارة، وارتبط اسمه بعدَّة عملياتٍ أبرزها هجوم مطعم سبارو.
اعتُقِل مرارًا، كان آخرها عام 2002م، وصدر بحقِّه 16 حكمًا مؤبدًا و30 عامًا أخرى. وخلال سجنه ألّف كتاب “درب الأشواك” الذي بين أيدينا الآن؛ ليوثق تجربته النضالية وتجربة ثلَّةٍ من رفاقه المجاهدين.
تزوج عام 2001م، ورُزِق بابنه الوحيد بعد اعتقاله دون أن يتمكن من رؤيته بسبب المنع من الزيارة.
كان اسمه مطروحًا للإفراج في صفقة “وفاء الأحرار” 2011م دون أن يشمله الاتفاق، ثم ظهر مجددًا في يناير 2025م ضمن قوائم تبادل الأسرى المقرر إبعادهم خارج فلسطين.
عن الكتاب:
يطَّوف الكتاب بين نُتَفٍ مختلفةٍ ومتنوعةٍ من حياة الشهداء، فهذه مجموعة من المقاومين بين الجبال في البرد والحر كي لا يتضرر أحدٌ من أهل أيِّ بلدةٍ يلجئون إليها، ويجعلوهم عرضةً لبطش الاحتلال. وهذه مجموعةٌ أخرى بين الغازات السامَّة واحتمالات فقدان الحياة أثناء تحضير المتفجرات. وهذا مقاومٌ قد بُتِرَت ساقاه وإحدى ذراعيه، ولم يفُتَّ ذلك من عزمه شيئا، فهو لا يزال على رأس عمله يُفقِد الصهاينةَ صوابهم بيدٍ واحدة!
ماذا يفعل مهندس فلسطيني بفحم وسماد وكبريت؟ يصنع عبوة متفجرة للتنكيل باحتلال يملك تطورًا تقنيًا ضخمًا؟ ربَّما.. ويتمنَّى الاحتلال لو يملك مهندسين مثله يعملون في جيش الاحتلال؟ هكذا صرّحت صحيفةٌ إسرائيلية!
اقتداءً بالشهيد المهندس يحيى عيَّاش، يقرِّر الشهيد أيمن حلاوة دراسة الهندسة الكهربائية؛ كي يسير على نفس الدرب ويُنكيَ بالصهاينة، فتم له ما أراد، ونَشر علمه في تصنيع العبوات المتفجرة مما توفر من مواد أوليَّة، وتصنيع الدوائر الكهربيَّة، فتعلم على يديه مهندسون جدد، منهم المهندس صاحب السبعة والستين مؤبدًا: عبد الله البرغوثي، المعروف بأمير الظل.
يلتقي المجاهد الشهيد فوَّاز بدران أثناء ابتعاثه للدراسة بمجاهد آخر ممَّن جاهدوا في الشيشان، فيعلمه الآخر تصنيع مادَّةٍ متفجِّرة ستحدث نقلة نوعيَّةً لدى المقاومة في مجال تصنيع المتفجرات، لتسمى هذه المادة فيما بعد “أم يحيى”.
في الأثناء، قد يزور مقاومٌ مقاومًا آخر بعد إصابةٍ ناريَّة، ليهديه مسدسا على سبيل عيادة المريض، أو قل عيادة الشهيد! كما فعل القائد محمود أبو هنود مع القائد نصر جرار في المستشفى، ليواصل بهذا المسدس رحلة جهاده المكللة بالاستشهاد بعد تماثله للشفاء.
وهكذا، لا ينتهي العجب من أمر أولئك المجاهدين، حتى لتُبصر في كل حركاتهم وسكناتهم أنَّهم لا يأبهون سوى بالجهاد والمقاومة وتوريث ما يعتقدون، كما ترى مع الشيخ يوسف السركجي حينما كان يجتمع بعدد من المجاهدين، فيعلمهم شيئا مما يحتاجونه من علوم الشرع، ويطلب منهم أن يدربوه على كل التقنيات التي يعرفونها، من التفجير عن بعد، إلى تصنيع الدوائر الإلكترونية والمواد المتفجرة؛ حتى يحفظ العلم إذا استشهدوا!
وبالجملة، سيذكر الزمان أنَّ إسرائيل كانت تمتلك طائرات الأباتشي والـ F16، ومعاونة أقوى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في العلم، بالإضافة لعشرات المليارات التي تنفقها هي وحلفاؤها في الدعاية والتسليح وتزييف التاريخ بسردية كاذبة، وأنَّ الفلسطيني كما يقول المسيري: “لا يملك إلا جسده” وهو ما أدهشنا أسيادُنا المجاهدون بإرخاصه حينما يخترقون الموت غير هائبين، فيُلقون بأرواحهم لا خزايا ولا محزونين.
مما يعني القارئ:
“إنَّ من لا يقرأ التاريخ يظل أبد الدهر طفلاً صغيراً ساذجاً، و لكل تاريخ رجال يسطرونه بالدم لوحة خالدة تتوارثها الأجيال، وإنَّ هؤلاء الذين نسجت بسيرهم حروف هذا الكتاب لهم رجال هذا العصر، وإنَّه لجديرٌ بنا أن نخلدهم في القلوب والأذهان والسطور، لنخط لأبنائنا سبيل النصر المقتفي خير ما تركوه من آثار”.

