التعريف بالمؤلف:
جون هيرسي، صحافي وروائي أمريكي، ولد سنة 1914م، وتوفي سنة 1993م.
ولد هيرسي في الصين، حيث كان والده سكرتيرًا لجمعية الشبان المسيحيين وكانت والدته مبشِّرة، وعاش فيها حتى بلغ العاشرة من عمره، ثم قررت عائلته العودة إلى الولايات المتحدة.
تخرج في جامعة يال لعام 1936م، وعمل مراسلًا أجنبيًّا في شرق آسيا وإيطاليا والاتحاد السوفيتي، كما شغل عددًا من الوظائف الأخرى كلها في إطار الصحافة والكتابة والتعليم، وكان أول أستاذ غير أكاديمي يعين في إحدى كليات جامعة يال.
امتاز بموهبة فريدة في الجمع بين مهارة المراسل في توثيق الحقائق والروائي في نسج الخيال؛ ففازت روايته (جرس لأدانو) -التي تصور احتلال الحلفاء لمدينة صقلية خلال الحرب العالمية الثانية- بجائزة (بوليتزر) عام 1945م، وعُدَّ كتابه (هيروشيما) -الذي بين أيدينا- أفضلَ عمل صحافي أمريكي في القرن العشرين، من قِبل لجنة تحكيم مكونة من 36 عضوًا، تابعة لقسم الصحافة بجامعة نيويورك.
التعريف بالكتاب:
نُشِر هذا العمل الصحافي للمرة الأولى في مجلة (نيويوركر) سنة 1946م، بعد عام واحد من إلقاء الولايات المتحدة القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما، واستقل بعددٍ كامل من أعداد المجلة في سابقة فريدة من نوعها، ولقي هذا العدد انتشارًا واسعًا؛ فبيعت جميع نسخه -البالغة وقتها 300 ألف نسخة- في ساعات معدودة.
وبناءً على هذا النجاح الباهر أعادت عدة صحف ومجلات عالمية نشر هذه المادة الصحفية، ثم طُبِع كتابًا، ليباع منه حتى الآن 3 ملايين نسخة، ونقله إلى العربية الأستاذ عبد الله بن صالح العجيري.
مراجعة الكتاب:
يحتاج الإنسان الصالح ألا يغمض عينه عن الشر في عالم تنفد موارده من كل شيء إلا من الشر، بل يثبت عينه في عينه، ويحتمل ما يتطاير إليه من الشَّرَر، وما ينمو في صدره من الشوك، فهذا في أقل أحواله مواجهة معنوية، أو قل إن شئت: هرب من الهرب.
وفي كنف نظام عالمي يعلو فيه صوت الإنسانية ولا تُرى فيه حقيقتها، ويُقدَّم الإنسان فيه على أنه معيار الخير المطلق -فالإنسانيُّ مرادف للخيِّر، واللا إنساني مرادف للشرير، والدين المبشَّر به ليس الذي يراعي مصالح الإنسان بل الذي يراعي أهواءه- تُنسى حقيقةُ أن أفظع جرائم الحرب والإبادات الجماعية والمآسي الكبرى التي لوثت وجه التاريخ كلها أعمال (إنسانية) جدًّا، نبتت على جانبي طريق الحضارة الحديثة؛ وأن الشر في أقسى أحواله وأشدها فجاجة ليس انحرافًا عن طبيعة الإنسان بل هو جزء منها، وما كان ليستنكر منه لولا أنهم ألبسوه ثوب الألوهية الذي لا يلائمه.
في هذا السياق يعد كتاب هيروشيما الذي بين أيديكم مدخلًا مثاليًّا للتعرف على ما يمكن أن يكونه الإنسان.
استخدم هيرسي أسلوبًا قصصيًّا يجري بك من صفحة إلى تِلوها، وإن كنت لا تستطيع أن تصفه أيضًا بـ(الأسلوب الأدبي الرفيع)، وهذا بطبيعة الحال ليس قصورًا في العمل، بل هو مقصود تمامًا، لأن العمل ليس روائيا بقدر ما هو صحافي وثائقي، وكان التفنن في تزيين أسلوبه لينقص من قيمة كونه عملًا هدفه حفظ الحقائق أكثر من تهييج المشاعر. ومع ذلك، نجح هيرسي بامتياز في إذكاء نار الغضب على الولايات المتحدة، فبعض الأحداث يكفي عرضها المجرد وإحصاءاتها الباردة لإثارة جنون العقلاء، ولعلك شاهدت مرارًا في حياتك رجالًا راشدين يَسبون بأقذع الألفاظ أمام صفحات الجرائد الجامدة، ولعلك عذرتهم.
أراد هيرسي أن يكسر الجمود الذي تُغلَّف به المآسي إذا ذُكرت إجمالًا وبِعَدِّها أمرًا واقعًا، فاختار ستة أفراد من الناجين شهودًا على المأساة وأنموذجًا من المتعرضين لها في الوقت نفسه، واقترب بعدسته من تفاصيلهم الدقيقة التي كانت كفيلة بخلق رابطة وثيقة بين القارئ وبينهم، مما جعل الحكاية هنا شخصية لا عامة، وسهَّل عليها التماسّ مع مشاعر القراء، كما تعرض بحكم المهنة لكل المعلومات المملة التي لا نحبها؛ كأعداد الضحايا في اليوم الأول، وأعدادهم بحلول نهاية العام، وأعداد المصابين، والتفصيل في نسبة من مات متأثرًا بالحروق والتسمم الإشعاعي والإصابات، وغيرها من البيانات التي يهملها كثير منا عامدًا أو ساهيًا؛ لكنه دسها بين الحكايات بطريقة لا تشعرك بالملل، بل تجد بعض الأرقام التي لا تتوقع من نفسك حفظها لو أنك قرأتها في صفحة الأخبار من الصحف اليومية علِقت بذهنك هنا بغير عناء يذكر، بل بلا أي محاولة لحفظها.
لقد تتبع هيرسي أيضًا -بعد أربعين عاما من نشر الكتاب، وبفضول صحافي يُحترم- ما جرى في حيوات أولئك الستة من كوارث شخصية وتوابع للانفجار، وأرفقها في فصل مستقل نشرته مجلة (النيويوركر) أيضا، ثم أُلحق بالكتاب، فأراحنا بذلك من تساؤل “أين انتهى المطاف بأولئك اليوم؟” الذي كان سيطرق رؤوسنا بلا شك.
ختامًا، وباختصار شديد، يمكن القول إن (هيروشيما) أجمل من أي عمل صحافي، وأخطر من أي رواية، وقد كُتب بإخلاص شديد وفضول حقيقي.
اقتباسات:
“أخذت تراقب جارها، في البداية كانت منزعجة منه بسبب الضجيج والصَّخب الذي كان يحدثه، ولكن مشهده بعد ذلك كاد يهيِّجها على البكاء شفقةً عليه. عواطفها تعلقت بشكل خاص بمنظره وهو يهدم بيته قطعةً قطعة، في وقتٍ انتشر فيه الخراب في كل مكان على نحو لا يمكن دفعه. شعرت أيضًا بمشاعر عامة من الشفقة على حال مجتمعها، فضلًا عن مشاعر الشفقة التي اجتاحتها على نفسها، فالظروف التي مرَّت عليها لم تكن سهلة.”
“كان على بعد خطوة واحدة من نافذة مفتوحة عندما فاجأه ضوء القنبلة الباهر، لقد بدا الضوء ساطعًا كـ(فلاش) كاميرا فوتوغرافية ضخمة سُلِّطت على الممر. جثا على ركبة واحدة، وأخذ يخاطب نفسه بشيء لا يقوله إلا ياباني: ساساكي، غامبير؛ كن شجاعًا!”
“اقتادت السيدة ناكامورا أطفالها إلى الشارع، كانوا في ملابسهم الداخلية فقط، وعلى الرغم من أن اليوم كان حارًّا جدًّا، فإنها -وبسبب تشوُّش ذهنها وارتباكها- كانت قلقة عليهم من أن يشعروا بالبرد، لذا عادت إلى الحطام ونقَّبت فيه لتجد من أسفله مجموعة من الملابس كانت قد جهزتها لحالة طوارئ، ثم رجعت إلى الأطفال وألبست كل واحد منهم سروالًا وبلوزة وحذاءً، بالإضافة إلى خوذة مبطنة بالقطن تسمى (بوكوزوكي)، بل إنها -وبسبب حالة الذهول التي انتابتها- ألبستهم معاطفهم في تصرُّفٍ غير منطقي مع حرارة الجو.”
“لقد كان الدكتور ساساكي يتنقَّل هنا وهناك في جواربه مدهوشًا من أعداد الجرحى، مذهولًا من كمية الدم ومشهد اللحم البشري، ما أفقده كل إحساس بالمهنية، حتى توقف عن العمل كجرَّاح ماهر، وفقد تلك الروح التي كانت تميِّزه وتبعث فيه نوازع الرحمة والتعاطف، ليصبح كائنًا ميكانيكيًّا، يمسح الجرح بشكل آلي، ثم يدهنه بالعلاج، ثم يلفه، يمسح، ويدهن، ويلف، يمسح، ويدهن، ويلف.”
“التفت الأب كلينزوغر إلى الأب لاسال وقال له: لئن فقدنا جميع ما نملك فإننا لم نفقد روح الدعابة.”
“أولئك الذين كانوا مدفونين الآن وهُجروا بلا مساعدة، كانوا ينادون مستنجدين بلغة رسمية متأدبة: تاسوكيت كور؛ من فضلك ساعدنا!”
“كان المصابون صامتين تمامًا، فلم يبكِ أحد منهم، ولم يكن ثمة من يشتكي، القليل جدا كان يصرخ من الألم، حتى أولئك الذين كانوا يموتون كانوا يمضون نحو الموت في هدوء، وحتى الأطفال أيضًا لم يكونوا يبكون أو يصيحون، همسات قليلة تسمعها هنا وهناك.”
“كان الأب كلينزوغر يتنقَّل بالماء بين المصابين، وحين كان يسقي بعض أولئك ممن كانت وجوههم يابسةً تمامًا وجافَّةً بسبب حروق الإشعاع المتوهِّج، كانوا يأخذون حصَّتهم من الماء، ويتحاملون على أنفسهم وينهضون قليلًا فينحنون له شكرًا على ما قدَّم!”
“فوق جميع ذلك الحطام المتراكم المنتشر في كل مكان؛ في الساحات، والقنوات، وعلى ضفاف الأنهار، وعلى السقوف المنهارة، وحول جذوع الأشجار المتفحمة، كان هناك بساط جديد من الخضرة، خضرة حيَّة وخصبة، تبعث على التفاؤل وتنشر الأمل، كانت تبرز وتنمو من أسس المنازل المدمَّرة، كانت الأعشاب ترتفع الآن مُخبِّئةً الرمادَ من تحتها، والأزهار البريَّة تُزهِر وتتفتَّح من بين عظام المدينة البالية. لقد بدا الأمر وكأن القنبلة لم تترك الأجزاء الحيَّة من النباتات الموجودة تحت الأرض سليمةً فحسب، لكن حفَّزتها على النمو أكثر وأكثر.”

