عن الرواية:
هي رواية للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله. من سلسلة الملهاة الفلسطينية المكونة من 12 رواية تغطي أكثر من 250 عاما من تاريخ فلسطين الحديث.
صدرت الطبعة الأولى منها عام 2009 عن الدار العربية للعلوم ناشرون.
عن الكاتب:
ولد إبراهيم نصر الله في عمان لأبوين فلسطينيين هُجِّرا من قريتهما عام 1948، درس في مدارس وكالة الغوث وحصل على دبلوم التربية وعلم النفس من مركز تدريب عمان لإعداد المعلمين.
نُشر له قرابة 15 ديوانا شعريا و22 رواية.
حصل على جائزة البوكر سنة 2018 عن روايته (حرب الكلب الثانية)، وجائزة كتارا مرتين، أولاهما في 2016 عن (أرواح كليمنجارو) ثم سنة 2020 عن روايته (دبابة تحت شجرة عيد الميلاد).
مراجعة الرواية:
إن كنت أمسكت طفل الممحاة تحسبها رواية عن الحرب فأحب أن أوفر عليك مجهودًا ووقتًا وعلامات تعجب كثيرة كنت لتنفقها، بإخبارك أن طفل الممحاة ليست غير رواية عن طفل الممحاة، فليتنا نعامل العناوين بشيءٍ من الجدية بعد ذلك!
لا يريد إبراهيم نصر الله أن يدخلك عنوةً حرب الـ٤٨، يفترض ببصيرته أنك وقفت ببابه تريد شيئًا آخر، شيئًا غير صوت البنادق ورائحة البارود والدم، وغير جغرافية المنطقة وتاريخها، شيئًا أبسط بكثير، وأصعب بكثير: حكاية. وسيعطيك العم إبراهيم ما تخيلك تطلبه منه، هكذا يفعل الأعمام عادةً؛ لكنه سيدس لك دون أن تشعر رائحة البارود والدم، وسيزعم أنه لم يعطك غير الذي طلبت: حكاية، حكاية عن طفل أزرق العينين، يغدو شابًا أزرق العينين، فإن كانت عينه الزرقاء الصافية عكست لك آخر أيام الانتداب، مذبحة دير ياسين، وحرب الـ٤٨، فهذه انعكاسات غير مقصودة طبعا.
عادة يميل الناس لحكاية الحرب بعين الإنسان، لكن إن جاز هذا التعبير فأنا أظن أن نصر الله يحكي الإنسان بعين الحرب.
ينطلق بك من الأرض الجافة، إن للأرض تفاعلاتها الخاصة مع الحرب، ويبدو أن أقدام المحتلين إذا وطئت أرضًا فلا يكفيها أن تمتص من قلوب البؤساء الأمان، لكنها تمتص من أرضهم الخير؛ وجفاف الأرض ليس مشكلة تخص الأرض وحدها كما تعلم، سترى بنفسك أن طعام البهائم زمنَ الجفاف شيء يستحق، يستحق قلع عين، أو قتل نفس، وإنشاء ثأر لا يحله شيء، أي شيء، غير عيني الآنسة سَعدة، تحل عيون النجلاوات بعض المشاكل لكن هذه استثناءات غير معنية طبعًا.
من الأرض للمعسكر، ومن المعسكر لعتبة سيد البلاد، وعتبة سيد البلاد ليست مجرد عتبة كباقي العتبات، إن النسبة ليست هينة هي الأخرى! ولذا عندما يهدي السيد بندقيته للواقف بالعتبة فأقل واجب يحمله أن يعود بها منتصرة.
ومن المعسكر لأرض المعركة، هنا يتركك نصر الله ويذهب، بل لا أبالغ لو قلت إنه قد تركك بالفعل بعد الصفحة الأولى، لأن الأسلوب الذي يتبعه هو كما ترفع طفلًا من الأرض لتمكِّنه الرؤية من النافذة، ثم أيًّا كان الشيء الذي يراه بعد ذلك فإنه لا يعنيك، المهم أنك أتحت له النافذة، وهذا بعينه ما فعله نصر الله، استنتج ما تشاء، واشعر بما تشاء، وانحز للجانب الذي تشاء، وأيًّا تكن اختياراتك فالعم إبراهيم لا يبالي، يكفيه أنه أراك المشهد.
هذه رواية لن تدرك كيف ابتدأت وكيف انتهت؛ لنصر الله طريقة فنية جدًّا في الابتداء والختام دون أن يشعرك أنك تكبدت عناء هذا الصعود والنزول. مشكلتها أنك ستغلق دفتها وأنت تتساءل عن أشياء توقعت أن تجد إجاباتها، وربما استحدثتْ فيك أسئلة لم تكن قبلها؛ تتساءل عن الانتداب، عن الحرب، عن الإنسان، عن طفل الممحاة الذي تعرفته فلم تعرفه رغم أنك صاحبته طفلًا وشابًا، وستجد نفسك إذا وصفته تقول كقولي: طفل أزرق العينين. وهذه ليست مشكلة كبيرة، لأن كل رواية من حقها أن تكون سؤالًا أو جوابًا أو لا شيء.
وباختصار، أهم ما تعرفه قبل أن تفتح دفة الرواية: أنها ليست عن الحرب، بل عن المحارب.
من الرواية:
«تجتاح إحدى العربات سورًا من النباتات الجافة، يتناثر الدجاج تحت عجلاتها، وفي لحظةٍ مفاجئةٍ غريبةٍ يظهر الغزال ويبدأ بالتوجه مباشرةً نحوكم.
يزداد انهمار الرصاص كثافةً، تنحني قليلًا دون أن تفارق عينا أخيك غزالًا طائرًا يتجه نحوه. تعبر طلقةٌ صدره، يهوي، يتجاوزه الغزال، تتبعه العربتان اللتان شكلتا ستار نار، متلاصقتين. عندما تصلان لجثة الطفل تفترقان وتعودان للالتصاق على بعد ثلاثين مترًا من جديد؛ وتدوِّي الرصاصات الأخيرة في اللحظة الضيقة التي يوشك فيها الغزال أن يعبر الشارع، تصيبه أكثر من رصاصة، يرتمي وسطه تمامًا.
تتوقف العربتان فجأة، ينزل الجنود، تصل العربة الثالثة، لكنهم وقبل أن ينحنوا لالتقاط الغزال القتيل ستكون أصوات الصرخات قد بدأت بالوصول إليهم.
الآن سيتذكر الجنود أن ولدًا صغيرًا قد سقط صريع رصاصهم، وقريةً قد بُعثرت»
«تجتاح إحدى العربات سورًا من النباتات الجافة، يتناثر الدجاج تحت عجلاتها، وفي لحظةٍ مفاجئةٍ غريبةٍ يظهر الغزال ويبدأ بالتوجه مباشرةً نحوكم.
يزداد انهمار الرصاص كثافةً، تنحني قليلًا دون أن تفارق عينا أخيك غزالًا طائرًا يتجه نحوه. تعبر طلقةٌ صدره، يهوي، يتجاوزه الغزال، تتبعه العربتان اللتان شكلتا ستار نار، متلاصقتين. عندما تصلان لجثة الطفل تفترقان وتعودان للالتصاق على بعد ثلاثين مترًا من جديد؛ وتدوِّي الرصاصات الأخيرة في اللحظة الضيقة التي يوشك فيها الغزال أن يعبر الشارع، تصيبه أكثر من رصاصة، يرتمي وسطه تمامًا.
تتوقف العربتان فجأة، ينزل الجنود، تصل العربة الثالثة، لكنهم وقبل أن ينحنوا لالتقاط الغزال القتيل ستكون أصوات الصرخات قد بدأت بالوصول إليهم.
الآن سيتذكر الجنود أن ولدًا صغيرًا قد سقط صريع رصاصهم، وقريةً قد بُعثرت»
«وعندما أُنهيت المباراة في جولتها الثامنة، ونزل يعقوب فرِحا ليصافح جمهور الصف الأول من الضباط كمنتصر، طرحه السيد القائد بتلك الجملة القاضية: لقد فضحتنا!
أما الكولونيل غريغوري، فقد حاول أن يعطيكم درسا مهما، وهو يختار يعقوب مرافقا له، وما إن بدأت رحلته معه حتى راحت قامة يعقوب تصغر وتصغر بطريقة ذكرتك بنفسك أيام الزاوية، ولم يعد يثير اهتمامه من هذا العالم سوى الطريقة التي يتناول بها الكولونيل الزبدة بطرف سكينه ويمسح بها قطعة الخبز، ولحظات تأمله العميقة لهذا الكون وهو يحدق في كوب شايه بعد العصر، مما دفع يعقوب إلى إبداء عناية أكبر في تلميع أحذية الكولونيل، وأزرار ملابسه العسكرية، وحمام غرفته، وأغطية سريره.
لقد أدرك يعقوب ما اقترفته قبضته بعد فوات الأوان فداهمه حس بالذنب، بالذنب الذي لا يغتفر، بعد سماعه جملة السيد قائد الجيش، فحاول ما استطاع أن يبدي وفاءً فائضًا عن حدود مهمته، فانطلق يتضاءل ويتضاءل كما لو أنه يكفِّر عن ذنوب تلك القامة التي أبت إلا أن تظل عاليةً في الحلبة!»
«عندما تلاشت الأصوات التي كانت تهبُّ خلفه أحسَّ بإنهاك غريب يحلُّ في جسده للمرة الأولى، لذا أنزل الشاب من على كتفيه، أمسك به من يده، وسار به نحو مركز الاستخبارات.
أدرك الشاب ما يدور، لكنه لم يحاول التملص أو الهرب، بل وقف قليلًا، فتوقف المجنَّد يعقوب، ونظر الواحد منهما في عيني الآخر نظرةً ذات معنى، وقال الشاب: كان يمكن أن تتركني أموت هناك، لأن ذلك أرحم من أن أموت هنا!»
«إن من لم يعمل على رعاية بندقيته بيده لا يستطيع أن يحس أبدًا بالنشوة كاملة وهو يطلق النار منها، أحسستُ ذلك في البدايات، حين كنت أخرج للصيد، لعل الأمر يشبه هنا تركنا للآخرين أن يعتنوا بزهور حدائقنا، ألا ترى أن الذين يتركون الآخرين يعتنون بزهور حدائقهم لا يستطيعون التمتع بتفتُّح الأزهار فيها؟!»
«طال صمته..
طال أكثر مما يجب..
مما دفع أسعد بيك إلى أن يقول له بأعلى صوته: كلنا آذان صاغية يا مولانا!
لكن الشيخ الضرير ظل يحدق في الأفق كما لو أنه لم يسمع شيئًا، ثم حين راحت الكلمات تتوارد إلى حنجرته، تنحنح مرتين، محاولا أن يجعل الطريق سالكًا لها ما أمكن، وفوجئ الجميع حين لم ينطق سوى سبع كلمات هي في الحقيقة خمس لا غير.
-أيها الجيش، أيها الجيش، ليتك كنتَ لنا!!
وصَمَت.»
«لم يستطع أسعد بيك أن يعاقبهم على عدم رضوخهم للأوامر، لأنهم ببساطة قالوا إن الانسحاب قبل حلول الظلام كان يعني موتًا محققًا.
وخطرت له تلك الفكرة الجهنمية، إذ قرر ترفيع عدد من الجنود لشجاعتهم النادرة في القتال، وكان هؤلاء هم الذين ماتوا، ومعاقبة بعضهم لعصيان الأوامر، وهؤلاء هم الذين عادوا.
وقبل أن يفرح الموتى برتبهم الجديدة، ويدرك الأحياء ما حاق بهم، أصدر أمرًا بإعادة عددٍ من الجنود إلى العاصمة.
وحين سيصلون مقر القيادة ستكون التهمة التي تنتظرهم هي تلك التي لا يمكن أن تخطر ببال أحدهم أبدًا: الهروب من ساحة المعركة!»

