مراجعة كتاب: اليهود أنثروبولوجيًّا

|

4–6 دقائق

جمال محمود صالح حمدان، أحد أعلام الجغرافيا في القرن العشرين، ولد في قرية ناي بمحافظة القليوبية بمصر في 12 شعبان 1346هـ، الموافق 4 فبراير سنة 1928م.

حصل جمال حمدان على شهادة الثقافة سنة 1943م، ثم حصل على ليسانس الآداب قسم الجغرافيا من جامعة فؤاد الأول سنة 1948م، ثم حصل على شهادة دكتوراه الفلسفة في الجغرافيا من جامعة ريدنج البريطانية سنة 1953م، وبدأ حياته العملية معيدًا بقسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة، وظل يتدرج في المناصب العلمية حتى بلغ درجة أستاذ الجغرافيا بالكلية، ولكنه احتك بما ضغط اعصابه في حياته العملية، فاعتزل العالم والتدريس وجميع علاقاته الاجتماعية واكتفى بالبقاء في منزله وهو في الخامسة والثلاثين من عمره.

وقد وصف لقاءه بعد ذلك بالمستحيل؛ حيث لم ينجح في اختراق هذه العزلة إلا عدد بسيط جدًا من معارفه وكانوا فقط من أصحاب الفضل عليه فلم يستطع تجاهلهم، ولم ينجح أي أحد في اخراجه منها إلى حين وفاته.

كانت وفاة الدكتور جمال حمدان يوم 17 أبريل سنة 1993م، نتيجة اشتعال النار في مسكنه بسبب تسرب الغاز في منزله.

وجب التنبيه أن هذا الكتاب صدر عام 1967م، وكان إصداره في الأساس لدحض فكرة بنوة العم بين العرب واليهود.

هذه الفكرة التي رُدِّدت دون تحفظ على بعض المنابر الموالية لإنشاء إسرائيل أثارت غضب جمال حمدان، مما جعله يفتش عن حقيقة الأصل الإسرائيلي المُدَّعَى، وهو أن يهودَ إسرائيل هم أبناءُ النبي يعقوب، وإسرائيلَ الأرضُ الموعودة لهم.

وقد يكون ما خلصت إليه الدراسة ليس بمفاجئ كثيرًا لأبناء جيلنا، فلم يعد أحد يصدق هذه السردية بعد الآن، وفشلت البروباجاندا الصهيونية في الأعوام الثلاثة السابقة فشلًا ذريعًا.

ولكن هذا الترديد الدائم لفكرة أن هذا الادعاءَ كاذبٌ دون إظهار الأدلة هو أيضا مما يثير حنق الكاتب، فقد ذكر في كتابه أن عداءَ إسرائيل دون فهم تركيبة هذا المجتمع وتاريخه وصفاته النفسية والأسس التي تقوم عليها دولة الاحتلال- أشبهُ بمعاداة شبحٍ أو كِيانٍ غامض.
إذن، ما أريد قوله هو: إن هذه الدراسة مفيدة في ذاتها، لا لأجل النتيجة التي خلصت إليها.

يبدأ الكتاب بمقدمة للمسيري يوضح فيها منبهرًا منهجَ جمال حمدان بصورة عامة، فقد كانت كل دراساته دائرة حول أسئلة، وكانت هذه الأسئلة تخدم مشروعه الفكري، وكان محور مشروعه مصر.
يشير هذا إلى حقيقة أنَّ حمدان -إضافةً إلى انتمائه لبلاده ورؤيته القومية- لم يكن مفكرًا ناقلًا يتتبع الأفكار الجدلية وحسب، بل كان له مشروع رئيسٌ يجعل كل أبحاثه خادمةً له.

يقتبس المسيري كثيرًا من كتاب «شخصية مصر» في مقدمته، كي يستفيض في بيان قدرة هذا الجغرافي العظيم على قراءة تاريخ الأرض، ورفضه الجاد لفكرة (عالم الواحدية المادية) الذي يحول علم الجغرافيا الأصيل إلى علمٍ أصَمَّ، في حين أنَّه في دراسات حمدان هو «فلسفة المكان؛ فلسفة عملية واقعية، ترتفع برأسها فوق التاريخ، وتبقى أقدامها راسخة في الأرض، فلسفة تحلق بقدر ما هي تحدق».

وقد تظن أن هذا الكلام عن حقيقة علم الجغرافيا محض إسهابٍ أو حديثٍ عن فلسفة العلم، لكنه -وبغير شك- أداة من أدوات جمال حمدان في دحض أسطورة النقاء العرقي لليهود؛ فكما يقول: «الجغرافيا انعكاس الزمان، تطبع ملامحها على التاريخ وعلى البشر». والمقصد أنك من دراستك لجغرافيا قطعةٍ من الأرض تستطيع استنتاج الملامح والصفات الشكلية -بل والنفسية- للبشر الساكنين في هذه الرقعة من الأرض.

بالإضافة أيضًا إلى مصدرين مهمين من الوثائق التي كانت موجودة أثناء وجود أبناء يعقوب الأوائل هما: التوراة ومخطوطات الفراعنة. من كل هذا نستنتج أنَّه كان لليهود شكلٌ محدد: يميلون للقصر، بيض يميلون للسمرة، شعورهم مموجة، وأنوفهم مميزة. حسنًا، نستطيع بشكل واضح أن نرى الجينات الروسية والصينية في إسرائيل اليوم يدَّعون بصفاقة أنهم أبناء إسرائيل الموعودون بهذه الأرض.

كما لا يخفى على أحد القوانين التي سنتها الكنيسة الرومانية بتحريم الزواج بين اليهود والنصارى -مما يدل على تفشيه- ضاربةً مرة أخرى أسطورةَ النقاء العرقي المُدَّعاة.

ولا يبخل جمال حمدان علينا بتتبع شديد الدقة للشتات اليهودي الأول والأوسط والأخير، مع أرقامهم وتعدادهم السكاني، وحتى أوقات زيادة أعدادهم ونقصها. ولديه استنتاجاتٌ دقيقةٌ عن سبب هذا الاضطرابِ المخالفِ في تطورِه تطورَ المجتمعات العادية.

تنتهي هذه الدراسة بخلاصة ليست مفاجئة كثيرًا: يهود بني يعقوب شارفوا على الانقراض بالفعل، وهم اليهود الذين يسكنون فلسطين من قَبل إسرائيل. و95% من يهود اليوم هم أوروبيون تهوَّدوا، لديهم آباء وأبناء عمٍّ من دياناتٍ أخرى، وليسوا يهود الأصل، مما يدعم كون إسرائيل محض عمليةٍ استعماريَّةٍ شديدةِ التطور والتركيب، وأداةٍ أوروبيةٍ أمريكيةٍ للسيطرة على الشرق الأوسط، ويخلع جمال حمدان عنها أسطورة العودة المختلفة.

يتطرق حمدان أيضا إلى الاستعطاف اليهودي الدائم بالاضطهاد، بحجة تعرضهم لإبادات ومضايقات تبرر حقهم في الحصول على أرضٍ تخصهم، ويرد بأنَّ هذه المضايقات لم تكن اعتراضًا على ديانتهم ولا عنصريةً ضد اليهوديَّة، بل كانت ردة فعلٍ على خستهم في معاملة مخالفيهم، وتعاليهم وقهرهم ومضايقتهم الظالمة، ممَّا جعلهم مكروهين منبوذين.

وعن تلك الحجة التي يدعونها «النازيَّة»، الحاضرة دائما في خطاباتهم وبكائياتهم، يقول -وربما كان من أوائل من تطرقوا لهذا-: «لم تكن الإبادة والقتل والهولوكوست مقتصرًا على اليهود، لكنهم إنما جعلوا الجريمة النازية بأكملها تدور حولهم. والأدهى أنهم لا يتورعون عن فعل ما يتباكون بسببه في غيرهم، فهم يشتتون ويبيدون ويطردون الفلسطينيين باسم المظلومية النازية».

بعد إثبات أن اليهود لم يعودوا ساميين في شيء، صار ذلك التغني الدائم بمعاداة السامية هو مغالطةً في ذاته، ممَّا يسقط هذا المصطلح، فعداء النازيين لليهود في ألمانيا كان ببساطة: معاداة ليهودٍ ألمانٍ لا يقلون عن النازيين في انتمائهم إلى العرق الآريّ، ولا يختلفون عنهم إلا في ديانتهم.

تبعًا لهذا النفي تسقط بنوة العم بين العرب واليهود؛ فنعم، ربما كان العربُ أبناءَ إسماعيل عليه السلام، وبنو إسرائيل أبناءَ إسحاق عليه السلام، مما يجعلهم أولاد عمومة، لكن الإسرائيليين اليوم ليسوا إلا أوروبيين.

انطلاقًا من كل هذا يَسقط الادعاء الصهيوني في أرض الميعاد، فاليهود ليسوا قومًا ولا أمةً ولا شعبًا، بل طائفة دينية من مختلِف الأجناس، لا علاقة لهم -من كل نواحي الأنثروبولوجيا- بفلسطين البتة.
إن أقلَّ ما يجب فعله هو التفكيك الدائم المستمر لكِيان إسرائيل، ومتابعة تطوراته المجتمعيَّة بدقة، والكفِّ عن رؤيته بقالبٍ واحد؛ فهو العدو الأول للأمة العربية والإسلامية، يقف على أبوابنا جميعًا ينتظر فرصته للحصول على دولته التي لم يَتوانَ في ذكر حدودها مرارًا وتكرارًا وترديد أنَّها من النيل إلى الفرات.

كان هذا التنبيه مُستقًى من جمال حمدان منذ ما يزيد على خمسين عامًا، ولكن الأمر لم يختلف كثيرًا، فلا زال نتنياهو يتوعدنا بإسرائيل الكبرى.