مراجعة كتاب: تاريخ فلسطين الحديث

|

5–7 دقائق

عبد الوهاب الكيالي (١٩٣٩-١٩٨١) مؤرخ ومفكر سياسي فلسطيني بارز، درس العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج فيها عام ١٩٦١، ثم واصل دراسته العليا في جامعة لندن حيث نال فيها الدكتوراه عام ١٩٧٠ عن أطروحته التي ناقشت المقاومة الفلسطينية والعربية ضد الاستعمار البريطاني والصهيونية؛ شغل أدوارًا سياسية وإعلامية؛ وخلَّف عددًا من المؤلفات المرجعية أبرزها: تاريخ فلسطين الحديث، الموجز في تاريخ فلسطين الحديث، وثائق المقاومة العربية الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية، والمطامع الصهيونية التوسعية وغيرها.

لقي حتفه في بيروت بتاريخ ٧ ديسمبر ١٩٨١ في ذروة عطائه الفكري والسياسي، ثم ووري جثمانه الثرى في عمان رحمه الله.

تعد فلسطين قمة التحدي العربي ومعترك الصراع الحاسم في التاريخ العربي الحديث، إذ تمثل ميدانًا لاختبار الإرادة العربية ومحلًا لتقرير مصير المستقبل العربي برمته؛ فمع أواخر القرن التاسع عشر بدأت ملامح المخطط الصهيوني بالتشكل وبدأت بوادر التواطؤ الاستعماري تنسج خيوطها الأولى لتجعل من فلسطين ساحة تتقاطع فيها الأطماع الغربية مع عجز الداخل العربي وتناقضاته، فكانت القضية منذ نشأتها اختبارًا للوعي والقدرة على المقاومة كما كانت مرآة تكشف عمق الأزمة العربية!

في هذا السياق يأتي كتاب “تاريخ فلسطين الحديث” لعبد الوهاب الكيالي ليقدم قراءة متأنية لمسار القضية الفلسطينية ومراحلها التاريخية مسلطًا الضوء على الأحداث السياسية والاجتماعية التي شكلت ملامح الصراع والصمود، إذ أن فهم واستيعاب هذا التاريخ يشكل مرجعًا لاستشراف حاضر الأمة واستنهاض وعيها الجمعي، ما يمنح هذا الكتاب راهنيته كأحد أهم المراجع المبكرة التي تناولت تاريخ فلسطين الحديث حتى الثورة الفلسطينية الكبرى ١٩٣٦-١٩٣٩، معتمدًا في بنائه على مصادر متفاوتة الوزن من حيث التوثيق (أرشيفات، سجلات، رسائل، وثائق تاريخية الى جانب مداولات شخصية لوجوه عاصرت الحدث…) ساعيًا بذلك إلى تتبع الجذور التاريخية للقضية الفلسطينية وإبراز ملامحها الرئيسة والكشف عن أبعادها الشاملة كونها قضية وجود، هوية وذاكرة!

يصوغ الكاتب مادته عبر ثمانية فصول متتابعة كل فصل منها يضيء وجهًا من وجوه المسألة؛ ينتهج فيها أسلوبًا يجمع بين السرد التاريخي والتحليل السياسي فيقدم الوقائع ضمن تسلسل زمني واضح، متوقفًا عند دلالاتها السياسية، الاجتماعية والاقتصادية؛ لتتعاضد معًا وتقود القارئ من التفاصيل الجزئية إلى الرؤية الكلية.

يستهل المؤلف فصوله بتوصيف جغرافي للمنطقة ولمحة موجزة بقدر ماهي مكثفة عن تاريخها القديم منذ العصور الغابرة حتى النفوذ البريطاني، لتمنح هذه الخلفية القارئ مفتاحًا أوليًا لفهم سياق الأحداث…يفضي هذا الفصل إلى ما يليه في تسلسل منهجي مترابط، منتقلًا إلى استعراض الإطار التاريخي الممتد في ظل الحكم العثماني، إذ مَثَّل انحسار النفوذ العثماني والاحتكاك بالغرب مدخلًا لتحولات سياسية واجتماعية عميقة تعززت بصعود محمد علي؛ الذي أفضى إلى بروز وعي سياسي عربي مبكر ترسخ في الحس القومي والمطالبة بالتحرر.

يلتفت المؤلف إلى دور الحركة الأدبية والفكرية في ترسيخ هذا الوعي الذي سرعان ما تبلور مع تصاعد الهجرة الصهيونية وتمليك الأراضي، الأمر الذي تمخض عنه رد فعل فلسطيني متنام ترجم في صورة عرائض واحتجاجات رافقها تأسيس نوادي وجمعيات وطنية هدفت إلى نشر التوعية ضد الصهيونية. وكيف تكامل ذاك مع الدور المحوري للصحافة العربية الفلسطينية التي ساهمت في تشكيل الرأي العام وتعبئته والتمهيد للقيام بأعمال منظمة ومنسقة ضد الوجود اليهودي.

يعرض الكيالي بوضوح المؤامرات الاستعمارية ضد الوحدة العربية وفلسطين عشية الحرب العالمية الأولى، وكيف استغلت بريطانيا الطموحات القومية العربية لصالحها، وكيف طوعت الحركة الصهيونية الحرب العالمية الأولى بمناورة مزدوجة بين ألمانيا وبريطانيا واقتربت من انتزاع وعد ألماني، الأمر الذي عجل ببريطانيا لإصدار وعد بلفور لحسم ولاء الصهيونية لصالحها وتحقيق التحالف، الذي عدَّ سابقة استعمارية خطيرة إذ منحت بريطانيا أرض فلسطين، أرض أصحابها الشرعيين (الفلسطينيين) لغير أصحابها (الصهاينة)، فكان الحق يسلب والباطل يشرع!

عند هذا المنعطف ما كان في الفصول السابقة إرهاصًا وتمهيدًا، يغدو في الفصول الآتية أمرًا واقعًا لا محيص عنه. ففي أعقاب فرض بريطانيا لوعد بلفور بدأت تتكشف معالم الصراع الفلسطيني والصهيوني في مرحلته المبكرة، فيستفيض الكاتب في كشف الوقائع التي تدخلت في تشكيل الموقف الوطني. وكيف سعت بريطانيا في فرض وعد بلفور كحاضنة داعمة لطفلها الغاصب، في مقابل معارضة فلسطينية آخذة في الاتساع شملت مختلف الطبقات التي استشعرت تهديد المشروع الصهيوني لمصالحها المباشرة، إلى أن تبلور رفض قومي عريض عبرت عنه الجمعيات الاسلامية-المسيحية والمظاهرات، وتوجته ثورة العشرين بوصفها أول انفجار جماهيري ضد الاحتلال.

ولا بد من الإشارة إلى أن الكيالي هنا لا يقدم الأحداث في معزل عن سياقها، بل يحرص على أن يربط بين المخطط الاستعماري الصهيوني من جهة وأزمة الداخل وتعارضاته من جهة أخرى، ليضع القارئ أمام صورة متكاملة عن جذور الصراع! فنجد في الكتاب إشارات متكررة حول تباين المواقف بين الوجهاء و سائر الطبقات الأخر من شباب، أفندية، تجار وفلاحون وهو ما حال دون بلورة قيادة وطنية موحدة قادرة على ترجمة الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي فعال، ما مكن بريطانيا من استثمار هذا التصدع في تعزيز تحالفها مع الحركة الصهيونية، فمضت في تثبيت أركان الانتداب والانتقال بالمشروع الصهيوني من مرحلة الحماية والكفالة المموهة الى وصاية استعمارية صارخة.

يتابع الكاتب رصد الوقائع والفصول متدرجًا حسب السياق التاريخي، موفرًا للقارئ رؤية واضحة عن أهم ما شهدته القضية في الفترة الممتدة ما بين ١٩٢٠-١٩٣٩. فيكشف مسار تطور الحركة الوطنية الفلسطينية في الفترة المتراوحة ١٩٢٠-١٩٢٣ عن انعقاد مؤتمرات ووفود هدفت إلى مواجهة النفوذ الصهيوني بأساليب دستورية واقتصادية واجتماعيه؛ والتحديات التي واجهتها القيادة في توجيه الطاقات الشعبية على نحو كامل، ما جعل من المقاومة محدودة الفاعلية في وقت كان فيه الانتداب البريطاني يرسخ أقدامه وتثبت الصهيونية وجودها…
كما يتناول الكاتب مرحلة من الركود والهدوء شهدتها فلسطين اتسمت بتوترات سياسية متصاعدة وأزمات اقتصادية واجتماعية، وبروز صراع عنيف بين العرب والصهاينة تحت الانتداب؛ الأمر الذي أسفر عنه ولادة متعثرة لتنظيمات مسلحة وشبابية اقتصرت محاولاتها على تحركات محدودة تبدو وتخمد…

ومع تصاعد الوعي الوطني الفلسطيني، يتقصى الكاتب حالة التوتر والتحول السياسي التي شهدتها البلاد بعد ١٩٢٩، حيث ظهرت المقاومة المسلحة إلى جانب الجهود الدبلوماسية للفلسطينيين للحد من النفوذ الصهيوني، مقابل تمسك الانتداب بسياساته المزدوجة، مع إبراز التباين الواضح بين مصالح العرب المحلية والمصالح الصهيونية العالمية، وهو ما شكل مرحلة ما قبل العاصفة في فلسطين ١٩٣٠-١٩٣٥.
لكن ما بدا آنذاك مرحلة ما قبل العاصفة، لم يلبث أن تحول إلى طور جديد أكثر حدة: الثورة الفلسطينية الكبرى ١٩٣٦-١٩٣٩ والتي شكلت ذروة النضال الوطني الفلسطيني في وجه التحالف وإن آلت نحو الاضمحلال بعد حين وترتب عنها نتائج وتداعيات على الساحة الفلسطينية…

يختم المؤلف عمله بتقويم نقدي يقدم فيه خلاصة قراءته للمسار الفلسطيني في ظل الاحداث الجارية ليخلص إلى أن النضال لم يكن يفتقر إلى التضحيات بقدر ما افتقر إلى وحدة القيادة والرؤية؛ قبل أن يلحق الكتاب بمجموعة من الوثائق والملاحق ذات القيمة التأريخية من مراسلات حسين-مكماهون ونص صك الانتداب وغيرها، إضافة إلى جداول إحصائية ومعطيات توثيقية؛ وبهذا يصبح الكتاب مصدرًا جامعًا لا تقل ملاحقه قيمة عن متن فصوله، مانحًا القارىء مادة مرجعية أساسية لفهم تلك المرحلة…

على الرغم من وجاهة الطرح وحرص الكاتب على الموازنة والموضوعية، فإن أي قراءة للتاريخ لا يمكن أن تدعي الإحاطة بكل أبعاده، فهي تبقى بحاجة دائمة الى استحضار جميع زواياه وتشابك رواياته فلا يقرأ الماضي من زاوية واحدة بعين واحدة مهما بلغت دقة الباحث…
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الطرح لم يحط بالكتاب إحاطة المحيط بكل قول وإنما هو غيض من فيض، إذ يظل الكتاب في سعته وثراء مادته مرجعًا جادًا في حقل الدراسات الفلسطينية!